الشيخ محمد هادي معرفة
84
التمهيد في علوم القرآن ( ط مؤسسة التمهيد )
ومتوقّعة لإحسانهم إليها . وقال : قولهم : أنا أنظر إلى اللّه ثمّ إليك ، معناه : أتوقّع فضل اللّه ثمّ فضلك . « 1 » قال الإمام الرازي في قول الشاعر : وجوه ناظرات يوم بدر * إلى الرحمان تنتظر الفلاحا إنّ الرواية الصحيحة : يوم بكر . والمراد من هذا الرحمان مسيلمة الكذاب . « 2 » قلت : فليكن ، بعد أن لم يكن النظر هنا هو تحديق العين بل الرجاء وتوقّع الفرج ، سواء أكان هو رحمان العالمين أم رحمان اليمامة . فمعنى الآية - على هذا - أنّ المؤمنين يوم القيامة في بهجة وسرور ، لأنّهم لا يتوقّعون النعمة والكرامة إلّا من عند ربّهم ، وقد تحقّقت أمانيّهم بعين شهود . 2 - وهكذا قوله تعالى - حكاية عن سؤال موسى عليه السلام - : « رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ » « 3 » لايدلّ على جواز الرؤية . لأنّ سؤاله ذلككان من تجاهل العارف ، على أثر ضغط من قومه الجاهلين ، فقد جاء في التفسير : أنّ قومه أبوا أن يصدّقوه إلّا أن يسمعهم كلام الربّ تعالى ، فاختار منهم سبعين ليصحبوه إلى الميقات ، فلمّا كلّمه اللّه تعالى وأسمعهم أيضا ، أبوا إلّا أن ينظروا إليه يتكلّم فيرونه جهارا ، وبذلك أحرجوا من موقف نبي اللّه موسى عليه السلام تجاه ربّه ومسؤولية رسالته إلى بني إسرائيل . روي أنّه عليه السلام لم يستطع التفوّه بتلك العظيمة - لمكان علمه باستحالتها - غير أنّ موقفه ذاك قد أحرجه ، فقال : ياربّ إنّك قد سمعت مقالة بني إسرائيل ، وأنت أعلم بصلاحهم . فأوحى اللّه إليه : يا موسى ، سلني ما سألوك ، فلا أُؤاخذك بجهلهم . فعند ذلك تجرّأ موسى عليه السلام على إبداء تلك المسألة . ودليلًا على ذلك ما جاء في سورة النساء : « يَسْئَلُكَ أَهْلُ الْكِتابِ أَنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتاباً مِنَ السَّماءِ ، فَقَدْ سَأَلُوا مُوسى أَكْبَرَ مِنْ ذلِكَ فَقالُوا أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ » . « 4 »
--> ( 1 ) - راجع : الكشاف ، ج 4 ، ص 662 ؛ وأساس البلاغة ، ج 2 ، ص 456 . ( 2 ) - التفسير الكبير ، ج 30 ، ص 229 . ( 3 ) - الأعراف 143 : 7 . ( 4 ) - النساء 153 : 4 .